عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

157

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

ملاذ الدنيا ونعيمها ، وحبب إليه الخلاء ففارق الأهل والولد ، وقنع بما يسد رمقه ويسكن جوعه وواظب بهذا التجريد على التفريد ودوام على التوجه إلى الحضرة الربوبية إلى أن أغناه اللّه تعالى عن طعام الخلق وشرابهم ، فقال : « أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني » « 1 » فأيده بروح منه وأكرمه بإنزال الوحي عليه ، وتجلى له جبريل - عليه السلام - ، وقال له : اقرأ . فقال : لست بقارئ وكان ظهوره فجأة فما شعر بحقيقة الأمر وخاف على نفسه وترك الخلوة وذهب إلى خديجة وقال : « زملوني زملوني زملوني » « 2 » فزملته خديجة حتى ذهب عنه الروع فأخبر بواقعته خديجة ، وقال : لقد خشيت على نفسي . . . فقالت خديجة : « كلا واللّه ما يخزيك اللّه أبدا ، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق » « 3 » فما استقر قلبه حتى انطلقت به خديجة إلى ابن عمها « ورقة بن نوفل » فأخبره رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « خبر ما رأى . فقال « ورقة » : هذا الناموس الذي أنزل اللّه على موسى - عليه السلام - فاطمأن قلبه عند ذلك وفتر الوحي إلى أن جاور في حراء على ما روى جابر بن عبد اللّه « 4 » - رضى اللّه عنه - ، فاتصل به جبريل - عليه السلام - وما كان يعرفه ، فأمره بالقراءة فحسب دون الإبلاغ والإنذار إلى أن بالغ في الرياضة وزاد في مدة الخلوة ، فاستعلى أمره وعلا شأنه واستأهل للتبليغ والإنذار وترقى إلى ذروة الكمال فهذه هي السنة الإلهية في هداية العباد وتربية الطالبين ، فالمريد إذا هبت في قلبه لواقح العناية واخضر شجر طلبه وانفتحت أنواره وأزهاره استبشع شهوات الدنيا ولذاتها واستقبح نعيمها وزخارفها ، فاستوحش عن الخلق ورغب عن مخالطتهم وغلب عليه هم الآخرة وتحرى رضا الحق حتى إذا ضاقت عليه الأرض بما رحبت اختار الخلوة وآثر العزلة فإذا استسعد بخدمة شيخ عارف بحقيقة الأمر ، سالك لطريق الحق واقف على دقائق التربية ذكرا ، وتعود التحلي والمواظبة على الذكر ليؤيد بذلك طلبه وشوقه فيستأنس بالخلوة ويستوحش عن الخلق فيجلسه في الخلوة . فطريق الخلوة على ما لخصه « الجنيد » - رضي اللّه عنه - ورتبها أقرب الطرق إلى

--> ( 1 ) رواه أحمد في المسند عن أبي هريرة ، حديث رقم ( 7539 ) ورواه ابن راهويه في مسنده ، عن أم علقمة مولاة عائشة ، حديث رقم ( 1035 ) [ ج 2 ص 463 ] . ورواه غيرهما بألفاظ متقاربة . ( 2 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الإيمان ، باب بدء الوحي . . . ، حديث رقم ( 252 - 160 ) ورواه البخاري في صحيحه ، كتاب التفسير ، باب اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ حديث رقم ( 4953 ) ورواه غيرهما . ( 3 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 4 ) سبق تخريجه وهو حديث السيدة عائشة رضي اللّه عنها .